أحمد بن محمد القسطلاني
102
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وأخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والأحكام في وفود الأنصار وفي الحدود ، ومسلم في الحدود أيضًا ، والترمذي والنسائي وألفاظهم مختلفة . ولما فرغ المصنف من تلويحه بمناقب الأنصار من بذلهم أرواحهم وأموالهم في محبة الرسول عليه الصلاة والسلام فرارًا بدينهم من فتن الكفر والضلال ، شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن فقال : 12 - باب مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ . 19 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ » . [ الحديث 19 - أطرافه في : 3300 ، 3600 ، 6495 ، 7088 ] . هذا ( باب ) بالتنوين ( من الدين الفرار من الفتن ) . ولم يقل من الإيمان لمراعاة لفظ الحديث ، ولم يرد الحقيقة لأن الفرار ليس بدين ، فالتقدير الفرار من الفتن شعبة من شعب الإيمان كما دل عليه أداة التبعيض . وبالسند المذكور أوّل هذا الشرح إلى البخاري قال : ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ) بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة ابن قعنب الحارثي البصري ذو الدعوة المجابة أحد رواة الموطأ المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائتين ، ( عن مالك ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة ، ( عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ) الأنصاري المازني المدني المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة ، ( عن أبيه ) عبد الله ، ( عن أبي سعيد ) سعد بن مالك بن ستان الخزرجي الأنصاري ( الخدري ) بضم الخاء وسكون المهملة نسبة إلى خدرة جدّه الأعلى أو بطن المتوفى بالمدينة أربع وستين أو أربع وسبعين ، وله في البخاري ستة وستون حديثًا زاد في رواية أبي ذر رضي الله عنه ، ( أنّه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . ( يوشك ) بكسر المعجمة وفتحها لغة رديئة وهي من أفعال المقاربة أي يقرب ( أن يكون خير مال المسلم غنمًا ) بالنصب خبر يكون ، وفي رواية غير الأصيلي بنصب خير خبرًا مقدمًا ورفع غنم اسمًا مؤخرًا ، ولا يضر كونه نكرة لأنه موصوف بجملة يتبع ، وجوّز ابن مالك رفعهما على الابتداء والخبر ، ويقدر في يكون ضمير الشأن . قال الفتح : لكن لم تجىء به الرواية ، وذكره العيني من غير تنبيه على الرواية فأوهم . والغنم اسم مؤنث موضوع للجنس ( يتبع بها ) بتشديد المثناة الفوقية افتعال من اتبع اتباعًا ، ويجوز إسكانها من تبع بكسر الموحدة يتبع بفتحها أي يتبع بالغنم ، ( شعف ) بمعجمة فمهملة مفتوحتين جمع شعفة بالتحريك وهو بالنصب مفعول يتبع أي رؤوس ( الجبال ومواقع ) بكسر القاف وهو بالنصب عطف على شعف أي مواضع نزول ( القطر ) أي المطر أي بطون الأودية والصحارى ، حال كونه ( يفرّ بدينه ) أي يهرب بسببه أو مع دينه ( من الفتن ) طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحة إلا لقادر على إزالتها فتجب الخلطة عينًا أو كفاية بحسب الحال والإمكان ، واختلف فيها عند عدمها ، فمذهب الشافعي تفضيل الصحبة لتعلمة وتعليمه وعبادته وأدبه وتحسين خلقه بحلم واحتمال وتواضع ومعرفة أحكام لازمة ، وتكثير سواد المسلمين وعيادة مريضهم وتشييع جنازتهم وحضور الجمعة والجماعات ، واختار آخرون العزلة للسلامة المحققة ، وليعمل بما علم ويأنس بدوام ذكره ، فبالصحبة والعزلة كمال المرء ، نعم تجب العزلة لفقيه لا يسلم دينه بالصحبة ، وتجب الصحبة لمن عرف الحق فاتبعه والباطل فاجتنبه ، وتجب على من جهل ذلك ليعلمه فافهم . ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون وفيه صحابي ابن صحابي وهو من أفراد البخاري عن مسلم ، وقد رواه المؤلف أيضًا في الفتن والرقاق وعلامات النبوّة ، وأخرجه أبو داود والنسائي . ولما كان الفرار من الفتن لا يكون إلا على قدر قوّة دين الرجل وهي تدل على قوة المعرفة . شرع بذكر ذلك فقال : 13 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ » . وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } . ( باب قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بالإضافة ، وسقط لفظ باب عند الأصيلي ، ومقول قوله عليه الصلاة والسلام ( أنا أعلمكم بالله ) لأنه كلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في معرفة ربه ، وذلك يدل ظاهرًا على قبول الإيمان الزيادة والنقصان ، وللأصيلي في غير الفرع وأصله أعرفكم بدل أعلمكم ، والفرق بينهما أن المعرفة هي إدراك الجزئي ، والعلم إدراك الكلي ، ( و ) باب بيان ( أن المعرفة ) بفتح الهمزة ( فعل القلب ) فالإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه خلافًا للكرامية ، والاعتقاد فعل القلب ( لقول الله تعالى ) ولأبوي